ابن رشد
86
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
- والقوى الخارجية المسخرة لنا وهي تابعة لنظام السببية في العالم . وهذه القوى الأخيرة ليست تقوم فقط بدور المتمم ، أو العائق للقوى الأولى ، بل هي أيضا " السبب في أن نريد أحد المتقابلين ، فإن الإرادة إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما أو تصديق لشيء ، وهذا التصديق ليس هو لاختيارنا بل هو شيء يعرض لنا عن الأمور التي من خارج " ( ف : 298 ) . وإذن : 1 - فالأشياء الخارجية تحرك فينا شوقا وميلا لأن نريد شيئا من الأشياء . 2 - فإذا صادف ذلك أن كانت لنا القوة الذاتية على فعله ، أي إذا كان نظام السببية في أبداننا ومجموع كياننا يسمح بذلك . 3 - وكانت القوى الخارجية مواتية ، أي إذا كان نظام السببية في العالم الخارجي يسمح هو الآخر بذلك . 4 - قدرنا حينئذ على فعل ما نريد وفعلناه . وهذا التوافق بين نظام السببية في كياننا الذاتي ونظام السببية في العالم هو القضاء والقدر . وهكذا فإنه " لما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود لا تخل في ذلك بحسب ما قدرها باريها عليه ، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد بالجملة إلا بموافقة الأسباب التي من خارج ، فواجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود ، أعني أنها توجد في أوقات محددة ومقدار محدود . وإنما كان ذلك واجبا لأن أفعالنا تكون مسببة عن تلك الأسباب التي من خارج ، وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة فهو ضرورة محدود مقدر ، وليس يلفى هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج فقط ، بل وبينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعالى داخل أبداننا . والنظام المحدود الذي في الأسباب الداخلة والخارجة ، أعني التي لا تخل ، هو القضاء والقدر الذي كتبه الله على عباده وهو اللوح المحفوظ " ( ف : 301 ) . تبقى مشكلة " الجور والعدل " ، باصطلاح المتكلمين أو " الخير والشر " باصطلاح الفلاسفة ، وهي مشكلة أبدية . وقد سلك فيها ابن رشد مسلك المتفائلين ، فاعتبر الشر الموجود في العالم ، وهو قليل ، من أجل الخير الكثير الذي ننعم به في هذه الطبيعة المسخرة لنا والتي نغزوها باستمرار . وبعبارة أخرى فلولا الشر - الأقلي - لما كان هنا هذا الخير الكثير . النار تحرق وهذا شر ، ولكن النار